مجلة الحكمة للدراسات التربوية والنفسية
Volume 13, Numéro 4, Pages 07-23
2025-12-04

راهنية القيم الصوفية

الكاتب : الغريسي محمّد .

الملخص

تستمدّ القيم الصوفية أهميتها من قدرتها على إعادة بناء الإنسان من الداخل، فهي ليست مجرد تعاليم زهدية، بل هندسة روحية تُعيد ترتيب العلاقة بين الذات والعالم. في زمنٍ يهيمن فيه منطق السرعة والاستهلاك، تمنحنا الصوفيةُ إيقاعًا آخر للحياة؛ إيقاعًا يَستردّ فيه الوعيُ حضوره، ويستعيد القلبُ قدرته على التمييز بين ما ينفع وما يسطع فقط على السطح. إن راهنية القيم الصوفية تكمن في أنها تُعلّم الإنسان كيف يكون فاعلًا من دون أن يفقد رقّته، وكيف يحيا بين الناس من دون أن يتنازل عن نور باطنه. فهي تدعو إلى التحرّر من ضجيج الأنا عبر مجاهدة الكِبر، والتخلص من قسوة العالم عبر تفعيل الرحمة، وتجاوز هشاشة العلاقات عبر إقامة محبةٍ لا تُلغي العقل بل تهذّبه. وفي عالمٍ متشظٍ تتنازع فيه الهويات والصراعات، تكشف الصوفية عن معنى آخر للوجود: أن تكون حاضرًا بكليّتك، متصالحًا مع ضعفك، وقادرًا على رؤية الجمال في ما قد يمرّ عليه الآخرون مرورًا عابرًا. إنها قيم تُعيد تشكيل الإنسان كمشروعٍ مستمرّ للاكتمال، لا كموضوع مغلق. ولذلك، فإن الصوفية ليست ملاذًا هاربًا من الواقع، بل عمقًا جديدًا لفهمه، ونَفَسًا يمنح العالم إمكانيةً أخرى لأن يُعاش بسلام ووعي ورحابة.

الكلمات المفتاحية

التصوف، القيم، الراهنيّة، بناء الإنسان، الواقع.