Turath
Volume 3, Numéro 2, Pages 10-29
2025-12-31
الكاتب : فاطمة محمد محمود عبد الوهاب .
الملخص: نحاول في هذا المقال أن نسبر علاقة الإيديولوجي والجمالي في الثقافة الحسانية وأشكال التعبير عن تمظهرات تلك العلاقة وتوتراتها في واقع الحياة اليومية، من خلال خطاب النخب الدينية والفنية. وهو خطاب انبنى في بداية الدولة الدينية على عبارات الوصم المتبادل (الحرام- الغواية/ تبلد الذوق- انتفاء الفتوة...) لينتهي في فترات معينة– طبقا جدلية المتعالي والمعيش داخل المجتمع- إلى نوع من المواءمة اقتضته طبائع الاجتماع البشري التي تصغي إلى جميع أبعاد الإنسان الروحية والجمالية...
الكلمات المفتاحية: أزوان- الغواية- الهداية-الثقافة- الحسانية فاتحة: في التصور تُؤسس هذا الموضوعَ، كما يتضح من العنوان، ثلاثةُ مفاهيم يبدو فيها من التعارض قدر ما فيها من التلازم: أزوان، وننطلق في تصوره من تعريف الراحل ميشيل كنيار له بأنه "موسيقى الفنانين الموريتانيين" مع تحديد وتوسيع يقتضيهما واقع تداول وتذوق هذه الموسيقى: أما التحديد فهو متصل بالهوية اللغوية، إذ يخص أزوان الناطقين بالحسانية . وأما التوسيع فمتعلق بحيز انتشار هذه الموسيقى، وهو حيز يغطي كامل المجال الجغرافي للناطقين بالحسانية ، بغض النظر عن الحدود السياسية للدول . الغواية: ويصدق لدينا هذا المفهوم على كل أشكال الخروج عن "ضوابط" الدين والأخلاق، كما تتصورها النخبة الدينية في المجتمع الحساني. الهداية: وهي في استعمالنا هنا نقيض قصد الغواية، إذ تعني تعميق الوازع الديني والخلقي، بشكل يفضي إلى تماشي السلوك اليومي للناس مع روح الشريعة الإسلامية. أما لفظ "بين" فهو هنا يعدل عن وظيفة الظرف ليصبح مسبارا لأشكال التنافر والتجاذب التي اعترت علاقة الجمالي بالديني في منظومة أزوان، وكيف استطاع الفاعل الثقافي أن يركب حلقات تلك العلاقة بشكل يلتقي فيه القطبان (الغواية والهداية) في نسق جدلي غير قابل للانفصام، بالرغم من التوتر الذي يحكم العلاقة بين عناصره. وانطلاقا من تلك المحددات تحاول هذه المساهمة أن تطرح– من منظور نظرية الخطاب- موضوع الفن في علاقته بهموم الذات وتصدعاتها ونوازعها من جهة، وبين مقتضيات السائد والمهيمن في المنظومة الاجتماعية والدينية والأخلاقية... من ناحية ثانية. وقد شكلت موسيقى أزوان بأبعادها المختلفة موضوعا لأعمال لعل من أهمها: - Musique, Honneur et Plaisir au Sahara : Musique et musiciens dans la société maure, Guignard (Michel), Guethner, Paris, 2005. - حياة موريتانيا، جزء الأغاني، للمختار ولد حامدن، تقديم وتعليق د. سيد أحمد ولد الأمير، مركز الدراسات الصحراوية، 2017. - رسالة الغناء الحساني أو "أزوان" لمحمد بن محمد اليدالي، المنشورة ضمن نصوص في الموسيقى الحسانية سلسلة التراث الحساني، تعليق سيدي أحمد ولد الأمير، دار جسور عبد العزيز، نواكشوط، 2020. - التذريب أو الميزان في معرفة البتوتَ وما يقابلها من بحور وظهور في أزوان، لمحمد محمود بن ابده بن عبد الفتاح الأبييري، ضمن كتاب نصوص في الموسيقى الحسانية المذكور أعلاه، - كما خصص الدكتور محمد أحظانا لموسيقى أزوان الصفحات (من 71- 101) من كتابه: معقول اللا معقول في الوعي الجمعي العربي: صورة المغيب في المخيلة الشعبية الموريتانية نموذا، مجلس جائزة شنقيط- موريتانيا، 2024. وقد تركزت معالجة كل من ميشيل كنيار ومحمدو ولد ولد أحظنا على البعد الإثنو موسيقي، متوقفين عند خصوصيات هذه الموسيقى على مستوى النغمات والآلات...، بينما اعتمد المختار بن حامد في أغانيه نهج المؤانسة والتداعي على طريقة الأصفهاني في كتاب الأغاني. ونحا كل من محمد بن محمد اليدالي ومحمد محمود بن عبد الفتاح الأبييري منحى تعليميا يربط بين المقامات الموسيقية في أزوان والبحور الشعرية الحسانية التي تلائم تلك المقامات. أما هذه المعالجة، فليس من غاياتها -ولا في مقدورها- التعرض بأي شكل من الأشكال للأبعاد التقنية لموسيقى إيكاون، وإنما تقتصر على محاورة تأويلية لجوانب من العلاقة بين المُظهر والمُضمر والمسموح به والمحظور في الخطاب الجمالي داخل متن أزوان نصا ومصطلحا وسياقاتِ ورود...، وذلك من خلال العناصر التالية: الفرجة الفنية واقتراف المحرم، أسلمة أزوان، جدلية المواءمة والمشاكسة في المشهد الفني. أولا. الفرجة الفنية واقتراف المحرم: ليس النقاش حول المحرم والمباح في الفرجة الفنية عامة ، والطقس الموسيقي خاصة، بالجديد في الثقافة العربية الإسلامية، بل إن هذه المسألة شكلت واحدا من أهم ملامح الاختلاف في الرؤية والنظر منذ عهد النبوة. وبالعودة إلى المواقف من المظاهر والطقوس الموسيقية التي عرفها المسلمون منذ لحظة التأسيس ، نجد أن النشاط الموسيقي كان منذ البداية محل تداول وسجال بين الصحابة والتابعين، وورثته الأجيال المتتالية من الفقهاء والمتصوفة ورجال الأدب والفن، حتى أصبح موضوع الموسيقى (السماع) من المواضيع التي تفرض نفسها على التأليف الفقهي والنشاط الإفتائي إلى يوم الناس هذا. وما يزال مدار الاختلاف فيه -كما كان أول الأمر- على الطبيعة الخلافية لقراءة النصوص والحوادث والسياقات التي شكلت المرجعية التأسيسية الأولى، وللسياق العام الذي اكتنف وعي العرب بالفنون؛ فما هي خصوصية ذلك السياق؟ وكيف انعكس على قراءة النصوص المرجعية؟ لعل للسجال الفقهي المزمن حول الظاهرة الفنية بدءا بأشكال التصوير ومرورا بالمعازف والموسيقى ثم بالإنشاد ذاته؛ لعل لذلك السجال علاقةً بالحاضنة التي كانت -في الذهنية العربية- تؤطر مجالس الشرب. فقد كانت تلك المجالس تقام عادة، إما في البلاطات التي تزين بالتصاوير والرسوم وتؤثث بشتى آلات الطرب، وإما في خمارات تقدم -فضلا عن الموسيقى والرقص- الشراب الروحي وأشكال المتعة الجسدية المأجورة (فتيات وغلمانا). ومن هنا -ربما- ارتبط الرسم والرقص والغناء في اللاوعي الجمعي بتلك الحياة الماجنة، فكان الغناء تبعا لذلك منافيا للرصانة والتدين في وعي كثير من الناس، باعتبار أن مجالس الغناء كانت مجالس نساء وخمر...، وبالتالي نظر إليها كثير من الفقهاء باعتبارها مصدر فتنة وغواية، لا وسيلة متعة وترفيه بريء. وبغض النظر عن مستوى صدقية هذا التأويل، فإن الواقع الذي لا مراء فيه أن الآراء حول السماع ظلت -منذ لحظة التأسيس الأولى- متضاربة سواء فيما يتعلق بقراءة النص أو بتنزيل السياق على مستجد الوقائع؛ فما هي النصوص التي شكلت أرضية لفهم مسألة الغناء؟ 1- المرجعية التأسيسية تأسست مواقف الفقهاء من منظومة السماع (نصا وطقسا) على قراءة متباينة لمجموعة من الأقوال والأفعال والتقريرات يمكن أن نتوقف منها -تمثيلا لا حصرا- عند النماذج التالية: - في الاحتجاج ضد السماع: يحتج أصحابه بالنماذج التالية: الآية الكريمة: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ" -حديث المعازف: "ليكونن قوم من أمتي يستحلون الحرَ والحرير والخمر والمعازف [...]" .- حديث أبي أمامة: "إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين، وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات [أي المعازف]، والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية". - حديث الزمارة الذي رواه نافع: أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع أتسمع؟ فأقول: نعم فيمضي حتى قلت: لا فوضع يديه وعدل راحلته إلى الطريق وقال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع زمارة راع فصنع مثل هذا" . - في الاحتجاج للسماع: يستظهر أصحاب هذا الموقف بنصوص من أهمها: الآية الكريمة: "يزيد في الخلق ما يشاء" - حديث غناء الجاريتين لعائشة في بيتها وبحضور الرسول صلى الله عليه وسلم المتفق عليه - حديث غناء الزفاف الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن عائشة قالت: "كان في حجري جارية من الأنصار، فزوجتها، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرسها، فلم يسمع غناء ولا لهوا، فقال يا عائشة هل غنيتم عليها، أولا تغنون عليها؟ ثم قال: إن هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء .- حديث زواج الربيع بنت معوذ "[...] قالت: جاء النبي صلى الله عليه وسلم، يدخل حين بُني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني [الضمير عائد إلى التابعي خالد بن ذكوان]، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال: دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين" - حديث لعب الأحباش في المسجد الذي روي في الصحيحين عن وقوف النبي صلى الله عليه وسلم حتى تستكمل عائشة استمتاعها به. تقول عائشة: "لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا الذي أسأمه[...]" . وبغض النظر عن مسألة وضوح الدلالة وثبوت الورود التي أسست إلى حد ما بؤرة الخلاف، فقد أسهم منطوق وسياقات هذه النصوص والإشارات المختلفة في بناء تصورات متغايرة، تبعا لاختلاف الرؤى والتجارب والمحيط الاجتماعي وحتى الانحيازات... التي سيشكل مجموعها الموقف الفقهي من الغناء ومجالسه. 2- الموقف الفقهي من الفرجة الغنائية: من الطبيعي أن يشكل تنوع النصوص الواردة أعلاه والإمكانيات التأويلية التي تفتحها (نصا وسياقا) أرضية خلافية بشأن الموسيقى انطلاقا من تفاوت الفهم وتنوع الخلفيات المشكلة لذلك الفهم. وقد أفرز الخلاف حول مجمل المعطيات المتعلقة بالسماع ثلاثة اتجاهات كبرى: تأثيم المعازف والسماع- إباحة السماع- التعبد بالسماع. ودون أن نغوص في تفاصيل الجدل المزمن حول فقه الطقس الإنشادي بعناصره المختلفة، نكتفي بالإشارة إلى أعمال نعتقد أنها تقدم صورة ضافية عن أوجه ووجاهة الرؤى المختلفة في فقه السماع على امتداد العصور والفضاءات الإسلامية. وقد فصل الإمام الغزالي (ق 5 هـ) القول في مختلف المواقف والأقوال بشأن السماع ضمن جزء من موسوعته إحياء علوم الدين في كتاب يحمل عنوان كتاب آداب السماع ، كما تلاه في الجهد ذاته الإمام النووي (ق7هـ) . ودأب المؤلفون في العصور اللاحقة على التعرض –بسطا أو اختصارا- لمواقف مختلف المدارس الفقهية السنية من مسألة السماع. وسنكتفي من هذا الموروث بالعناوين التالية: القوانين الفقهية لابن جزي الأندلسي (ق 8 هـ) - الفقه على المذاهب الأربعة للأزهري المعاصر عبد الرحمن الجزيري - فقه الموسيقى والغناء في ضوء القرآن والسنة ليوسف القرضاوي . ونجد صورة تمثيلية عن الجهد التأويلي ذاته على مستوى إفتاءات فقهاء المنطقة الصحراوية في عمل موسوعي للدكتور يحيى ولد البراء هو: "مبحث السماع والصورة" ضمن المجلد السابع من الموسوعة الكبرى الشاملة لفتاوى ونوازل وأحكام أهل غرب وجنوب غرب الصحراء التي جمع فيها المؤلف أغلب ما تفرق من الفتاوى المحلية المتعلقة بالموقف من الفرجة الغنائية. 3- الفرجة الغنائية في عيون فقهاء المنطقة: انطلق فقهاء المنطقة -بطبيعة الحال- من الأدلة ذاتها التي شكلت المدونة الإسلامية حول موضوع السماع، وعكسوا الاختلاف ذاته، ويمكن أن نشير هنا بإيجاز إلى مواقف التحريم والإباحة والندبية. موقف التحريم يجد هذا الموقف جذوره الأولى بشكل خاص في المرحلة المرابطية. ونجد شذرات من هذه المرحلة في شكل ملاحظات عابرة تعكس تكريس ذهنية التأثيم: كالحديث عن محاربتهم للغناء باعتباره من أشكال الفسوق والخروج على تعاليم الشريعة. ولئن كانت المعلومات المتعلقة بالواقع الفني في حياة المجتمع الصحراوي إبان انبثاق الحركة المرابطية شحيحة لدى المؤرخين -وهي كذلك بالفعل- فإنها تمدنا ببعض الإشارات حول التقاليد الغنائية التي ارتأى المرابطون أنها منافية لروح الشريعة الإسلامية، وذلك في معرض الحديث عن محاربتهم البدع ومنكرات الأفعال. من ذلك أن الدولة المرابطية "حطمت دنان الخمر، وكسرت آلات الطرب" . ونجد أن عبد الله بن ياسين لما غزا سجلماسة "[...] أصلح أحوالها، وغير ما وجد بها من المنكرات، وقطع المزامير، وأحرق الديار التي كانت تباع بها الخمر" . كما نجد عديد الفقهاء في المرحلة الحسانية يتبنى هذا الموقف ويرد على حجج المخالفين مؤولا النصوص التي تبيحه: إما بأنها منسوخة، أو بأن المغنيات (الجواري) لم يبلغن الحلم، أو بمحدودية العدد، أو بطبيعة الحضور، أو بنوع الآلة... ويلاحظ أحيانا تعايش بين المواقف المختلفة (التحريم، الإباحة، التعبد بالسماع) في الفتوى الواحدة، تبعا لاختلاف السياقات والمضامين والجمهور والآلة: يقول الشيخ سيدي المختار الكنتي (ق 12/13هـ): "[...] ثم اعلم أن السماع على قسمين: مفهوم كالأشعار، وغير مفهوم كأصوات الجمادات وهي المزامير والشبابة وغيرهما من الأصوات المطربة. ولا قائل بتحريم الصوت المطرب إلا بما جاء النص بتحريم سماعه كالأوتار والملاهي" ، وهو ما يعني بطبيعة الحال اقتصار الحرمة على الأوتار (عموم الآلة) والملاهي (التي يعدونها عبثا). وفي منحى أكثر صرامة يحرم محمد مولود بن أحمد الجواد اليعقوبي (ق13هـ) السماع في فتوى حول "بنجه" مستدلا بمادة غزيرة من فتاوى التحريم. وينص بشكل خاص على قول الإمام محيي الدين بن العربي "السماع في هذا الزمان لا يقول به مسلم"، وقول ابن المبارك "السماع ينبت النفاق في القلب" ؛ يقول أبو محمد: "والحاصل أن السماع اشتمل على مفاسد جمة من اللهو واللعب والاستماع لما لا يحل" ، وهذا أساس كاف للتحريم بطبيعة الحال. ويرد محمد سالم بن ألما اليدالي على سؤال حول حكم السماع قائلا: "إن الغناء في الشريعة مختلج لم يثبت فيه ما يثلج الصدر، إلا أنه بالآلة المشهور تحريمه" . أما شيخنا بن محمذن بن بي الجكني، فيبين موقفه نظما: حكم الغنا للكره إن لم يحملا على قبيح أو يكن به قـلا ولا بآلة وإلا حظـــــلا وذا من الكتب الصحاح نقلا . وهو موقف يراوح -تبعا للحيثيات المختلفة- بين التحريم والكراهة التي هي أدنى دراجات المباح. موقف الإباحة يذهب أغلب المفتين إلى حلية السماع بصفة مطلقة، على الرغم من التحفظ على الآلة وعلى اتساع المشهد الغنائي. وبذلك، فإن محل اتفاقهم إنما هو سماع الأشعار والتغني بها في سياق يخلو من "اختلاط الأجانب" ومظنة "الفتنة"... وتدل فتوى الشيخ سيدي المختار الواردة أعلاه دلالة صريحة على الإباحة بالتحفظ الذي أورده ، بل إن الشيخ يذهب في الفتوى ذاتها إلى اعتبار السماع (بمعنى معين وفي شروط محددة) نوعا من العبادة والتقرب إلى الله تعالي. التعبد بالسماع: لم يكن الشيخ سيدي المختار الكنتي -فيما يخص موقفه من السماع- بدعا من فقهاء المنطقة، فكثيرا ما زاوجوا في فتاويهم بين التحريم والإباحة والندب، تبعا لحيثيات السماع من حيث نوع الصوت والمادة المغناة وطبيعة المشهد الغنائي. ومن هنا يفصل الشيخ في فقرة من فتواه السابقة الحالات التي تحول طبيعة ومرمى السماع من فعل منصوص على حرمته بالحيثيات التي ذُكرت أعلاه إلى قربة وممارسة ربانية، كما هو عند المتصوفة مثلا. يقول: "فمن ظن أن السماع يرجع إلى المغني وطيب النغمة، فهو بعيد من السماع، وإنما السماع حقيقة ربانية، ولطيفة روحانية تسري من المستمع إلى الإسرار بلطائف التحف والأنوار [...] فهو سماع حق بحق من حق" . ويفصل سيدي بن عبد الله الحيبلي حالات وأحكام السماع من نفس المنطلق: الوجد وجدان شيطاني ورباني وهيج الكل تطريب بألحـان فالمنع للمتحلي بالأول جـــري والندب للمتحلي ويك بالثاني على أن المواقف المحرمة والمبيحة بتحفظ يخص غالبا الآلة وطبيعة الجمهور، قد خلفت على ما يبدو -في المحصلة النهائية- ارتيابا في الذهنية العامة تجاه الفرجة الغنائية، واتجاه أزوان بشكل خاص، وهو ما استدعى استراتيجية لنيل القبول لدى الفقهاء، ومن ثم لدى عامة الناس، عبر خلع رداء الفتنة والغواية الذي ألبسته الفتاوى لهذا الفن، والدخول في دائرة الهداية التي لا تتحقق إلا بأسلمة الخطاب. ثانيا- أسلمة أزوان نقصد بالأسلمة هنا استنبات مفردات من صميم المنظومة الدينية، والعمل على دمج تلك المفردات داخل منظومة أزوان، بشكل يفضي إلى تماهي أزوان في النهاية مع النموذج الديني والأخلاقي الرائج داخل الفضاء البيضاني. ويبدو أن عملية الأسلمة هذه اقتضت المرور بمراحل، والاشتغال على عدة مستويات: 1- نفي الشبهة من الطبيعي إزاء الموقف المعادي للطقس الغنائي المشار إليه أعلاه، وما تركه من ريبة في الذهنية العامة، أن تعمد الحاضنة الاجتماعية للفن إلى آليات تسمح بتمرير خطابها بشكل يتقبله الرقيب الفقهي (خاصة قبل أن تفعل العوامل التاريخية والاجتماعية فعلها في خلخلة النظرة التي خلفتها المرحلة المرابطية نحو الفن والمشتغلين به والفضاءات التي يقام فيها). ولقد تجسدت الذهنية المرتابة في أزوان -حتى بعد المرحلة المرابطية- في عدة مظاهر من أهمها اعتذار بعض المؤلفين عن الاشتغال به، كما نجد في النماذج التالية: أ- في خاتمة "التذريب أو الميزان في معرفة البتوتَ وما يقابلها من بحور وظهور في أزوان" لمحمد محمود بن ابده الأبييري (ق 13) يعتذر المؤلف عن الاشتغال بفن أزوان فيقول: "لكن تطفلت على هذه النبذة منه [...] بهمة ابن شيخي حين ندبني إليها [...] راجيا من الله تعالى أن ينيلني ما منها قصدت، ويغفر لي ما فيه عثرت، ومعتذرا لذوي الألباب الإخوان، من ذي شيبة يعدو جواده بهذا الميدان". ب- وفي مقدمة وخاتمة "رسالة الغناء الحساني أو أزوان" لمحمد بن محمد اليدالي (ق 14 هـ)/ يقول المؤلف في مقدمته: "[...] وبعد فلما كان علم كل شيء أفضل من جهله، لا سيما للحاذق النبه [...] طلب مني بعض الأقارب الأشراف [...] أجبته إلى ذلك إذ لم أجد بدا من هنالك" . وفي الخاتمة يستنجد المؤلف بمثال من التراث (ولا يخفى ما للتراث من قيمة رمزية في الدفاع عن شرعية الاشتغال بهذا الموضوع). يقول: "وإن قال أحدهم إن هذا مما لا يمدح الاشتغال به، فقد اشتغل به أبو الفرج الأصفهاني" ج- ونجد الاعتذار نفسه -وإن بشكل ضمني- في خاتمة نص "ورقات في الموسيقى" لمحمد المصطفى ولد الإمام العلوي (وهو معاصر). يقول: "اللهم اشغلنا بذكرك ولا تجعلنا من الغافلين" د- وتتجسد ذهنية الريبة كذلك في بعض المرويات من حكايات وأمثال: كحكايات أسلمة الآلة، وبعض الأمثال الشعبية: "لمرابط ماهو صاحب إيكيو"، وإن تبدلت هذه العلاقة لتحل محلها "صحبة" حميمة في مرحلة التجذر. 2- التجذر أما المحور الثاني من محاور الأسلمة، فقد استند إلى منحى عملي يستهدف التجذر في الثقافة المحلية. وقد قامت استراتيجية التجذر على استخدام آليات مقابلة لآليات التأثيم، يمكن أن نذكر منها: أ- قيام سرديات مضادة: وتهدف تلك السرديات إلى استنبات –واع أو غير واع- لمقاييس تعارض وتوازي سرديات التأثيم، مستندة إلى ركن ركين من التدين. ومن الأمثلة على تلك السرديات: اعتبار "الفتح في أزوان" وجها من أفضال الله على العبد وفتحا ربانيا يحول الشخص من حال إلى حال - ومنها أيضا إشاعة التراث المديحي الذي أصبح عتبة ضرورية لأي مجلس طربي. وتتجلى العلاقة الخاصة التي أقامها إيكاون مع المديح النبوي في حرص كثير منهم على إنشاء مدائح خاصة بهم، بل إن منهم من تماهى ذاتيا مع الممارسة المديحية بحيث تنتقل تلك الممارسة لديهم من الوظيفة إلى الصفة - ومنها كذلك تبني مهمة حراسة القيم، بحيث أصبح أيكيو الناطق باسم القيم الاجتماعية والمكرسَ للصفات الحميدة مشيدا بأصحابها رافعا ذكرهم. وبحكم احتكار هذه المهمة، أصبح إيكيو رفيقا "لعلية" القوم المجسدين لتلك القيم. وبهذا عرفت منظومة أزوان تحولها الكبير مع المرحلة الحسانية، لتصبح ركنا من أركان السلطة في المجتمع، بعد أن أعيدت صياغتها بشكل جذري. ب- قولبة "أزوان": وتقتضي تلك القولبة إعادة صياغة للنظام بحيث يستبطن روحا دينية تطال مختلف عناصر المشهد الغنائي بجميع مكوناته. وبالفعل فقد أفضت آليات "مراوغة" الرقيب الفقهي إلى انسراب مفردات ذات انتماء راسخ في الدين. وكان من نتيجة ذلك أن استبطنت "أزوان" -بمقاماته وأدواته ومتنه الإنشادي- روح دينية تتجلى في الآلات والنغمات والنصوص. وقد يكون من الوارد أن نقرأ استراتيجية التجذر تلك من خلال التغيرات التي عرفتها منظومة أزوان بمختلف منعرجاتها النغمية، بشكل ينفتح على الديني دون أن يفقد روح الفن الجميل. وهنا تمكن الإشارة إلى مظاهر من التواشج القائم بين ما هو ديني وما هو فني في هذه المنظومة الموسيقية بشكل سريع، على مستوى مفاصل المشهد الموسيقي برمته: أي على طقس الافتتاح- ومستوى النغمات داخل المتن الموسيقي- وكذلك مستوى طقس الختام. • طقس الافتتاح يبدأ الفنانون الحسانيون جلساتهم الغنائية بالهيللة كاختبار لملاءمة النغمة (آزاي) في تكرارية تأخذ صيغا متعددة. فهي بمثابة الموال الذي يشكل مقدمة ضرورية للشروع في الغناء. وبعد الاطمئنان على اتساق النغمة يشرعون في إنشاد نصوص ذات طابع ديني، وغالبا ما تكون مديحية أو ذات منحى توسلي. وتعرف هذه الفقرة المديحية تحت مسميات متعددة. فهناك من يدعوها بـ"بيت المدح". وقد تُسمّى بـ"ابن وهيب"، وهي التسمية الشعبية لتخميس ابن المهيب على العشرينيات الفازازية المتداول لدى النخبة العالمة في كامل امتداد المنطقة الصحراوية، والذي يعتبره الدارسون عمدة المديح النبوي في منطقة الغرب الإسلامي برمته. فكأن هذا النص الإنشادي -من كثرة ما افتتح المغنون بأبيات منه- انتقل من وضع المصاحبة النغمية إلى أن أصبح عنوانا للنغمة ذاتها . • النغمات داخل المتن الموسيقي تتخلل المتن الموسيقي مادة دينية مبثوثة في شكل شواهد نصية ذات طابع ديني. وتذهب الفنانة المعلومة بنت الميداح إلى أن الأصل في موسيقى "إيكاون" -فيما عدا "اتهيدين" الخاص بالتغني بأنساب ومآثر الأمراء- هو المنحى الروحاني، ولذلك ففضلا عن المدخل الديني الضروري لأي مجلس طربي، كثيرا ما تتأسس "الأشوار" على كلمات واضحة المنحى الديني. ومع أن المادة الدينية تبدو خارج اهتمام المعنيين بموسيقى "إيكاون"، مما أبقاها مشتتة في ذاكرة الرواة من الفنانين وهواة فن "التيدنيت" عامة، فقد حاولنا -اعتمادا على ما أتيح لنا من لقاءات، وما أتحفتنا به المكتبة الشحيحة حتى الآن بخصوص هذا الفن- أن نجمع بعض النماذج التي تبين حضور المادة الدينية في موسيقى "إيكاون". ويمكن هنا رصد النماذج التالية: (البسيط): لولاه ما خلقت شمس ولا قمر ولا نجوم ولا لوح ولا قلم وهو شاهد "البُلْهْ" في "ابتيت الجانبه الكحلة". يا الله.. يا الله وهو شاهد "اتشيمير" في "كر الجانبة البيظة". (البسيط): لبست ثوب الدجى والناس قد رقدوا فقمت أشكو إلى مولاي ما أجد وهو شاهد "اشطيب لكتري" في "اكحال الجانبه البيظة". (الطويل): ألا إنما الدنيا نضارة أيكة إذا اخضر منها جانب جف جانب وهو شاهد "الارحال" في "ابتيت الجانبة البيظة". وبتتبع هذه النماذج المنصوصة باعتبارها هويات لنوتات موسيقية، إضافة إلى ما يرد على ذاكرة الفنان من مادة إنشادية مختلفة يتضح أن أزوان لا ينفصل فيه الديني عن الطربي، بل إن الطربي فيه ينبني عبر الديني. ومن هنا يأتي تأكيد الفنانة المعلومة بنت الميداح على أن أصل ومنطلق موسيقى إيكاون "ديني بامتياز، إذ هي عبارة عن تسبيح لله ودعاء وتمجيد لرسوله" . غير أن تداعيات القول في المجلس الغنائي -حسب ما تراه هذه الفنانة- كثيرا ما تحيد بالمغني عن الدلالات الدينية بفعل التفاعل الذي تقتضيه أدبيات المجلس الموسيقي بين الفنان وجمهوره، وخاصة ممن يسهمون بإبداعاتهم في رسم فعاليات مجلس أزوان ، إلا أن هذا الانحراف لم يمنع من سريان الروح الدينية في مختلف فقرات المتن الموسيقي من البداية إلى النهاية. • طقس الختام تنتهي الموسيقى الحسانية بمقام "لبتيت" وهو مقام يطبعه الشجن ويستثير مشاعر الرهبة والإحساس بالفناء . وتطغى على المادة الإنشادية في هذا المقام –عادة- نصوص الوعظ والتأمل في تقلب أحوال الدنيا، والزهد في زخرفها... غير أن عملية الأسلمة التي طبعت متن أزوان في مختلف تمفصلاته، والتي استهدفت المواءمة بين المنظومتين الفنية والدينية -بما أفضت إليه من شرعية اجتماعية- لم تنف عن الطقس الغنائي في هذا الفن روحا مشاكسة لا تخطئها العين. ثالثا- جدلية المواءمة والمشاكسة تقوم استراتيجية المواءمة -فضلا عن ما عايناه سابقا على مستوى مظاهر أسلمة أزوان المختلفة- على استحضار الديني في النغمات المختلفة (حتى لو كانت الدلالة نشازا بالنسبة للمقام الموسيقي) ، كإنشاد النص المديحي أو الوعظي في مقام الحرب والحماسة، كما في هذين المثالين المتواترين عند المغنين: الله سبحانه فرد بلا شبه والعقل دون بلوغ كنهه وقفا وغير ما اتصف الرحمن جل به من الكمال به خير الأنام صفا و ليس الشجاع الذي يحمي فوارسه يوم اللقاء ونار الحرب تشتعـــل لكن من غض طرفا أو ثنى قدمــا عن المعاصي، فذاك الفارس البطل وقد لا يكون من الصدفة، حين ينتقىي الفنانون نصا مناسبا للمقام مثل قول حماس بن قيس: إنك لو شهدت يوم الخندمه إذ فر صفوان وفر عكرمه ... أن يستدعوا هذا النص من أدبيات هزيمة المشركين أمام الفاتحين المسلمين . أما استراتيجية المشاكسة فهي –على عكس الأولى- تنبني على قولبة الديني عن طريق تحوير سياقي ينتج عنه انقلاب دلالي نتيجة لطبيعة المقام. وتتخذ هذه الاستراتيجية مظاهر من أهمها استغلال النص الديني للتعبير عن الدلالات اللاهية (كالغزل مثلا). ويمكن هنا أن نسوق الأمثلة التالية: شاهد أكتمار/ مكة موسى: يَلْسايلني عنْ ميمونَه راهي تكرَ ساحلْ كيمي عمّ يتساءلـــون عن النبإ العظيـــــــم هنا يتحول النص القرآني المقدس إلى مجرد علامة هادية على الحبيبة من بين علامات أخرى كالمكان الذي تقيم فيه (ساحل كيمي)؛ ولا يخفى ما في هذا الاستخدام من هتك لحرمة السجل الديني في القاموس الشعري بدمجه في السجل الغزلي. ومن "كفان" هذا الشور التي تعزز المنحى ذاته، لكن بدرجة أقل حدة نظرا لطبيعة الاقتباس الذي يأتي في هذا المثال من النص التبركي: فاطمْ نفسي عنْ غِيدْ أهلي بيّ ريمْ امرفدْ خِيمي أُعدت "النفس كالطفل" إن تفطمه ينفطيمي والمتأمل لسياق الاقتباس الأصلي لأبيات البوصيري (النفس كالطفل...) -القائم على ذم الانصياع لنوازع النفس الأمارة بالسوء- يلاحظ نسفا لذلك السياق، إذ "يكرهها" هذا "الكاف" على الاندغام في منطق الانصياع لسطان هوى المحبوبة الذي ينفي أية إمكانية لتعلق القلب بغيرها. ويبدو أن منطق المشاكسة الذي قام عليه "الشور" أصلا قد شرع لمنحى المشاكسة أن يصبح سيد "كفان" هذا الشور، ومنها: كنت امغيلي يغنانَ نبغيها بأشَدْ احْزيمي يتيمَة كالوا غيرْ آن نقرب مال اليتيم!! فالشاعر يصرح أنه يقرب مال اليتيم في تحد رمزي لمنطوق ومدلول الآية: "ولا تقربوا ما اليتيم إلا بالتي هي أحسن" التي يحيل عليها مرجعيا في نصه. شاهد اتشيمير/ مكة موسى: يا الله.. يا الله إن الديني هنا يدخل بشكل صريح في دائرة السجل الغزلي، خاصة إذا تأملنا الكاف الأساس الذي يشكل بؤرة النص المنشد، وهو: ظَحْكتْ فالَه تنزاهْ العينْ لا إله إلا اللهُ الملك الحق المبين مستغنِ عمّا سواهُ فكلمة التوحيد (وجملة التوسعة التي تتبعها) في هذا المثال تكف عن كونها عنوان العقيدة وما تقتضيه من انصياع للتعاليم الدينية، حين تغدو تعبيرا عن شدة الانبهار بثغر الحبيبة وما يمنحه للمحب من متع النظر إليه (تنزاه العين). شاهد اترادي/ ابياظ انتماس: هموم.. هموم على المطلق. ويتخذ هذا الشور قاعدته النصية من البيت: (المتقارب) خلقت الجمال لنا فتنة وقلت لنا في الكتاب اتق وتبلغ المشاكسة أوجها على مستوى النغمات الموسيقية عندما تعدل عن المواربة إلى التصريح، وهي حالة نشهدها في نغمة: "لكويفر" / "ابياط انتماس" وهو شور -بتعبير أهل الفن- أبكم، أي أنه ليس له "شاهد" نصي، وإنما هو عبارة عن معزوفة وترية. وخارج النغمات الموسيقية المشكلة لمتن أزوان، تتجسد المشاكسة حينا في ما يطّرد غناؤه داخل مجلس أزوان من نصوص ذات دلالات تبرز فيها مخاتلة ومشاكسة الرقيب الديني. وبعيدا عن مبتغى البسط في هذه الظاهرة المطّردة، نكتفي -على وجه التمثيل- بنموذجين أوردهما محمد ولد محمد اليدالي ضمن "رسالة في الموسيقى الحسانية" المشار إليها أعلاه، أما أحدهما فهو بالعامية ويغنى في مقام لكحال: ملْكَه منت امَّان ذَ أَلِّي بيهْ الحزمْ ألاّ اكطلِّي دَرْتْ انْصلِّي ما احْجلِّي فاصلاتي عجــــــــــــلانْ والمرورْ بذا احْصلِّي هو والبطــــــــــــــــــــــــــــــــــلانْ آن ذا الِّي ما انْصلِّي ثَقْلَه يالسبحـــــــــانْ كدْ انّوخظْ ما انْصلِّي ملْكَه منت امَّانْ أما النص الثاني فهو نص فصيح، ينشده المغنون عادة في لبياظ حرم العالمون والحكمــــــــــــاء مع عيشانَه أن تزار النســـــــــــــــــــــــــــــاء هي فرض وغيرها مثل نفل يترك النفل من عليه القضاء وبالنظر سريعا إلى النصين يتضح أن الخطاب فيهما يقوم على لعبة التناظر والتدافع بين الديني والغزلي، سواء على مستوى أركان الدين (الصلاة في النص الأول)، حيث الارتباط الشرطي القائم على التجنيس: "انصلي" بمعنى فعل الصلاة و"انصلي" التي تفيد انتزاع الوصال، أو على مستوى الأحكام الشرعية التفصيلية (في النص الثاني)، إذ تنعقد المقارنة والمعاوضة بين الحقلين في ترتب "الأحكام "(الحرام والفرض والنفل...)؛ فأي مشاكسة يتصور أن تعلو على إنشاء هذا التطابق بين الشريعة -أركانا أساسية وأحكاما جزئية- من جهة، وبين مقتضيات مراتب الغرام والوصال... ومع أن من اللافت أن تحظى هذه الصور ومثيلاتها بالقبول في مجتمع صارم في تدينه بحيث اضطر الطقس الغنائي للاندماج ضمن المحددات العامة للخطاب الديني السائد في المنطقة، كي ينال القبول الاجتماعي؛ مع ذلك، فإن الذائقة العامة تلقت هذه التعبيرات بإيحاءاتها الجمالية، وباعتبارها تجنيحا رمزيا أكثر مما هي تعبير عن سلوك أو معتقد. ولا نتوهم –بطبيعة الحال- أن جدلية المقدس واللاهي داخل المشهد الغنائي في أزوان تمثل خروجا أو نكوصا عن روح الأسلمة المذكورة أعلاه، وإنما هي ممارسة رمزية تدخل في إطار التوسع في الصورة والرمز بشكل يتيح للمبدع تصعيد المكبوتات النفسية مخاتلة لصرامة الرقيب الاجتماعي، فيغدو بذلك المحظور مباحا والمرفوض متاحا. خاتمة يتضح من خلال هذه المحاورة الأولية لأزوان طقسا ونصا ونوتات موسيقية... أن موسيقى إيكاون قامت على جدلية لا ينفصل فيها الديني عن الطربي، بل إن الطربي فيها كثيرا ما بني عبر الديني وخدمة لمقاصده روحيا وجماليا... غير أن هذه المنظومة قد تخللتها، نغما ونصا ومشهدا، عناصر تخاتل -إن لم نقل تشاكس- الرقيب الديني، بحيث يمثل ذلك التشابك والتعايش بين المتناقضات وحدتها الناظمة، فهي منظومة مركبة تركيب الحياة الإنسانية ذاتها. ويبدو أن هذا التجاور والتداخل بين المقدس واللاهي في المجلس الموسيقي، جعل أزوان ملتقى تتشابك فيه -ضرورة- الهداية والغواية وكرس قبوله الاجتماعي على ذلك الأساس، فأصبح فن إيكاون في المجتمع البدوي الحساني جزءا من أركان السلطة على المستوى الهرمي للمجتمع، وسمح -في الآن ذاته- لهذا الفن أن يمد نفوذه أفقيا على نخبة ذلك المجتمع الدينية، لدرجة أصبح معها "اتزوين" -بهدايته وغوايته- مقوما من مقومات الشخصية النموذجية في المجتمع إلى جانب المعرفة والتدين والفروسية...، مصداقا لمضمون الكاف الشهير: "أَفِلالْ" أصْلُو مارْتُو مَزّيوَنْ مَنْ صِفاتُو يَعْربْ بيتْ أو بَعْمارْتُو وابْكافُو وابْصراتُو وإذا كانت الديناميكية الاجتماعية والثقافية للمجتمع الحساني البدوي قد أسفرت عن احتلال منظومة أزوان -بالصفات المذكورة أعلاه- مكانة مركزية في المجتمع، فليس غريبا –وقد أفرزت تلك الديناميكية أثرها الأعمق على مجتمع المدينة التي حشر فيها السكان كرها خلال العقود الأخيرة- أن يشهد هذا الفن تحولا موازيا في الموقع والبنية والوظيفة والخطاب؛ وهو ما يستدعي من الباحثين قراءة متجددة لتشابكات المشهد السوسيو ثقافي الجديد، بما فيها جدلية المتعالي والمعيش في واقع الناس وتمثلاتهم عن الدين والفن والحياة... البيبليوغرافيا: الوثائق المكتوبة 1. القرءان الكريم 1. al-Qurʼān al-Karīm 2. ابن أبي زرع (علي الفاسي)، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، دار المنصور للطباعة والوراقة، الرباط، 1972، 2. Ibn Abī zarʻ (ʻAlī al-Fāsī), al-Anīs al-Muṭrib brwḍ al-qirṭās fī Akhbār mulūk al-Maghrib wa-tārīkh Madīnat Fās, Dār al-Manṣūr lil-Ṭibāʻah wa-al-Wirāqah, al-Rabāṭ, 1972, 3. ابن البراء (يحيى)، المجموعة الكبرى الشاملة لفتاوى ونوازل وأحكام أهل غرب وجنوب غرب الصحراء، نشر مولاي الحسن بن المختار بن الحسن، 2009، المجلد السابع، مبحث السماع والصورة. 3. Ibn al-Barāʼ (Yaḥyá), al-Majmūʻah al-Kubrá al-shāmilah li-fatāwá wa-nawāzil wa-aḥkām ahl Gharb wa-Janūb Gharb al-ṣaḥrāʼ, Nashr Mawlāy al-Ḥasan ibn al-Mukhtār ibn al-Ḥasan, 2009, al-mujallad al-sābiʻ, mabḥath al-samāʻ wa-al-ṣūrah. 4. ابن جزي (أبو القاسم محمد بن أحمد)، القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية، تحقيق: محمد أحمد القياتي وسيد الصباغ، دار الأندلس الجديدة، 2008. 4. Ibn Juzayy (Abū al-Qāsim Muḥammad ibn Aḥmad), al-qawānīn al-fiqhīyah fī Talkhīṣ madhhab al-Mālikīyah, taḥqīq : Muḥammad Aḥmad al-Qayātī wa-Sayyid al-Ṣabbāgh, Dār al-Andalus al-Jadīdah, 2008. 5. ابن حامد (المختار)، حياة موريتانيا، جزء الأغاني، تقديم وتعليق سيدي أحمد ولد الأمير، مركز الدراسات الصحراوية، 2017. 5. Ibn Ḥāmid (al-Mukhtār), ḥayāt Mūrītāniyā, Juzʼ al-aghānī, taqdīm wa-taʻlīq Sīdī Aḥmad Wuld al-Amīr, Markaz al-Dirāsāt al-ṣaḥrāwīyah, 2017. 6. أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار الفكر، 1991، المجلد الثاني، كتاب السماع. 6. Abū Ḥāmid al-Ghazālī, Iḥyāʼ ʻulūm al-Dīn, Dār al-Fikr, 1991, al-mujallad al-Thānī, Kitāb al-samāʻ. 7. أبو محمد (ابن محمد الحسن)، العلامة أبو محمد سيدي بن مولود بن أحمد الجواد الشمشوي اليعقوبي الشنقيطي (حياته وآثاره)، دراسة وتحقيق ، دار التيسير، 2007. 7. Abū Muḥammad (Ibn Muḥammad al-Ḥasan), al-ʻallāmah Abū Muḥammad Sīdī ibn Mawlūd ibn Aḥmad al-Jawwād al-Shamshawī al-Yaʻqūbī al-Shinqīṭī (ḥayātuhu wa-āthāruh), dirāsah wa-taḥqīq, Dār al-Taysīr, 2007. 8. الأبييري (محمد محمود بن ابده بن عبد الفتاح)، التذريب أو الميزان في معرفة البتوت وما يقابلها من بحور وظهور في أزوان، ضمن كتاب نصوص في الموسيقى الحسانية، سلسلة التراث الحساني، تعليق سيدي أحمد ولد الأمير، دار جسور عبد العزيز، نواكشوط، 2020. 8. alʼbyyry (Muḥammad Maḥmūd ibn abdh ibn ʻAbd al-Fattāḥ), altdhryb aw al-mīzān fī maʻrifat albtwt wa-mā yuqābiluhā min Baḥūr wa-ẓuhūr fī azwān, ḍimna Kitāb nuṣūṣ fī al-mūsīqá al-Ḥassānīyah, Silsilat al-Turāth al-Ḥassānī, taʻlīq Sīdī Aḥmad Wuld al-Amīr, Dār Jusūr ʻAbd al-ʻAzīz, Nuwākshūṭ, 2020. 9. أحظانا محمد، معقول اللا معقول في الوعي الجمعي العربي: صورة المغيب في المخيلة الشعبية الموريتانية نموذا، مجلس جائزة شنقيط- موريتانيا، 2024. 9. Aḥẓānā Muḥammad, maʻqūl al-lā maʻqūl fī al-Waʻy al-jamʻī al-ʻArabī : Ṣūrat al-maghīb fī al-mukhayyalah al-shaʻbīyah al-Mūrītānīyah nmwdhā, Majlis Jāʼizat shnqyṭ-Mūrītāniyā, 2024. 10. البخاري (أبو عبد الله محمد بن إسماعيل)، صحيح البخاري، دار ابن كثير، دمشق-بيروت، 2002. 9. al-Bukhārī (Abū ʻAbd Allāh Muḥammad ibn Ismāʻīl), Ṣaḥīḥ al-Bukhārī, Dār Ibn Kathīr, dmshq-byrwt, 2002. 11. بنت عبد الوهاب (فاطمة)، الإنشاد الديني لدى شعوب الصحراء (محاولة في الأنتروبولوجيا الثقافية)"، أطروحة دكتوراه، جامعة نواكشوط، 2018. 11. bint ʻAbd al-Wahhāb (Fāṭimah), al-inshād al-dīnī ladá shuʻūb al-ṣaḥrāʼ (muḥāwalah fī al-Antrūbūlūjiyā al-Thaqāfīyah) ", uṭrūḥat duktūrāh, Jāmiʻat Nuwākshūṭ, 2018. 12. الجزيري (عبد الرحمن)، الفقه على المذاهب الأربعة، دار الآفاق العربية، 2006 12. al-Jazīrī (ʻAbd al-Raḥmān), al-fiqh ʻalá al-madhāhib al-arbaʻah, Dār al-Āfāq al-ʻArabīyah, 2006 13. حمو (محمود بن محمد ددب الأرواني التنبكتي)، تنبيه المادح المقلد على ما كان عليه سلف تمبكتو في المولد، متوفر على الشبكة العنكبوتية عبر على الرابط: http://bhr-alhob.com/vb/showthread.php?22811 13. Ḥammū (Maḥmūd ibn Muḥammad ddb al-Arwānī al-Tunbuktī), Tanbīh al-Mādiḥ almqld ʻalá mā kāna ʻalayhi salaf Tūmbuktū fī al-Mawlid, mtwfr ʻalá al-Shabakah al-ʻankabūtīyah ʻabra ʻalá alrābṭ : Http : / / bhr-alhob. com / vb / showthread. php? 22811 14. العلوي (محمد المصطفى ولد الإمام)، ورقات في الموسيقى، ضمن نصوص في الموسيقى الحسانية. 14 al-ʻAlawī (Muḥammad al-Muṣṭafá Wuld al-Imām), Waraqāt fī al-mūsīqá, ḍimna nuṣūṣ fī al-mūsīqá al-Ḥassānīyah. 15. الفازازي (عبد الرحمن يخلفتن بن أحمد)، ديوان الوسائل المتقبلة (بتخميس محمد بن المهيب)، المطبعة الأدبية، بيروت. 15. al-Fāzāzī (ʻAbd al-Raḥmān Yakhluftan ibn Aḥmad), Dīwān al-wasāʼil al-mutaqabbalah (btkhmys Muḥammad ibn almhyb), al-Maṭbaʻah al-adabīyah, Bayrūt. 16. القرضاوي (يوسف)، فقه الغناء والموسيقى في ضوء القرآن والسنة، مكتبة وهبة، القاهرة، 2001. 16. al-Qaraḍāwī (Yūsuf), fiqh al-ghināʼ wa-al-Mūsīqá fī ḍawʼ al-Qurʼān wa-al-sunnah, Maktabat Wahbah, al-Qāhirah, 2001. 17. القرطبي (أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري)، الجامع لأحكام القران، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، بدون تاريخ، الجزء 14، 16. al-Qurṭubī (Abū ʻAbd Allāh Muḥammad ibn Aḥmad al-Anṣārī), al-Jāmiʻ li-aḥkām al-Qurʼān, Dār al-Kutub al-ʻIlmīyah, byrwt-Lubnān, bi-dūn Tārīkh, al-juzʼ 14, 18. الكلبي (محمد بن أحمد بن جزي)، التسهيل لعلوم التنزيل، تحقيق محمد سالم هاشم، دار الكتب العلمية، 1995، ج.2 18. al-Kalbī (Muḥammad ibn Aḥmad ibn Juzayy), al-Tasʹhīl li-ʻUlūm al-tanzīl, taḥqīq Muḥammad Sālim Hāshim, Dār al-Kutub al-ʻIlmīyah, 1995, J. 2 19. النووي (الإمام، يحيى بن شرف)، رياض الصالحين، دار الفكر، بيروت-لبنان، 2003. 19. al-Nawawī (al-Imām, Yaḥyá ibn Sharaf), Riyāḍ al-ṣāliḥīn, Dār al-Fikr, Bayrūt-Lubnān, 2003. 20. ولد انجرتو (سدوم)، ديوان الشعر الشعبي، تقديم وتعليق مجموعة من الباحثين، المعهد الموريتاني للبحث العلمي، 1996،. 20. Wuld anjrtw (sdwm), Dīwān al-shiʻr al-shaʻbī, taqdīm wa-taʻlīq majmūʻah min al-bāḥithīn, al-Maʻhad al-Mūrītānī lil-Baḥth al-ʻIlmī, 1996,. 21. ولد بودادية (محمدو) وولد دندني (اماكه)، برنامج حواص الشور، تسجيلات الإذاعة الوطنية الموريتانية. 21. Wuld bwdādyh (Muḥammadū) wa-walad dndny (amākh), Barnāmaj ḥwāṣ alshwr, tasjīlāt al-Idhāʻah al-Waṭanīyah al-Mūrītānīyah. 22. ولد عبد الدائم (محمد فاضل)، لمشامل (الشعر الحساني وأزوان كامل)، نشر شخصي، الطبعة الثانية، 2016. 22. Wuld ʻAbd al-Dāʼim (Muḥammad Fāḍil), lmshāml (al-shiʻr al-Ḥassānī wʼzwān Kāmil), Nashr shakhṣī, al-Ṭabʻah al-thāniyah, 2016. 23. ولد محمد بابه (الأمين)، "لمرابط صاحب إيكيو"، مجلة الوسيط، العدد التاسع (2005)، صص.71-75. 23. Wuld Muḥammad bābihi (al-Amīn), "Limrābiṭ ṣāḥib iykyw", Majallat al-Wasīṭ, al-ʻadad al-tāsiʻ (2005), ṣṣ. 71-75. 24. اليدالي (محمد بن محمد)، رسالة الغناء الحساني أو "أزوان"، ضمن نصوص في الموسيقى الحسانية. 24. al-Yadālī (Muḥammad ibn Muḥammad), Risālat al-ghināʼ al-Ḥassānī aw "azwān", ḍimna nuṣūṣ fī al-mūsīqá al-Ḥassānīyah. 25. Guignard (Michel), Musique, Honneur et Plaisir au Sahara : Musique et musiciens dans la société maure, Guethner, Paris, 2005. المقابلات: 26. محمدن ولد اشدو، شاعر وأديب ورجل ثقافة، مقابلة في منزله بتاريخ 19/02/2017. 26. Muḥammadin Wuld ashdw, shāʻir wa-adīb wa-rajul Thaqāfat, Muqābalah fī mnzlh bi-tārīkh 19/02/2017. 27. محمد ولد أحمد ولد الميداح (دمبه)، شاعر وأديب مختص في الأدب الشعبي، مقابلة بتاريخ 21/01/2014، وأخرى بتاريخ 17 مارس 2018. 27. Muḥammad Wuld Aḥmad Wuld almydāḥ (dmbh), shāʻir wa-adīb mkhtṣ fī al-adab al-shaʻbī, Muqābalah bi-tārīkh 21/01/2014, wa-ukhrá bi-tārīkh 17 Mārs 2018. 28. المعلومة بنت الميداح (فنانة ومهتمة بالتراث الثقافي)، مقابلة بالمنزل، بتاريخ 07/03/2017. 28. al-Maʻlūmah bint almydāḥ (fannānah wmhtmh bi-al-turāth al-Thaqāfī), Muqābalah bālmnzl, bi-tārīkh 07/03/2017. السير الذاتية - الاسم والمهنة: فاطمة محمد محمود عبد الوهاب أستاذة مؤهلة، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية- جامعة نواكشوط، -الوظيفة الحالية: منسقة ماستر الدراسات العربية. -المؤهلات ومواضيع البحوث: بحث الباكالوريوس: "الوعي النقدي في الأدب الموريتاني"، ماجستير (دكتوراه السلك الثالث): "البنية الإيقاعية في الشعر العربي الحديث"، أطروحة الدكتوراه : "مدخل إلى الإنشاد الديني لدى شعوب الصحراء (محاولة في الأنثروبولوجيا الثقافية)"، -مجالات الدريس والنشر: الأنثروبولوجيا الثقافية- الثقافة الشعبية- مناهج النقد الحديث- تحليل الخطاب- الدراسات التداولية والحجاجية.
بلحسن مباركة
.
ص 53-63.
مناصرية زينب
.
ص 51-62.
الله حبيب بريك
.
ص 23-38.